عبد الملك الثعالبي النيسابوري

14

التمثيل والمحاضرة

كما زاده في السّن علوّا ، حتى تكون السعادات وفد بابه ، والبشائر قرى سمعه ، والمسارّ غذاء نفسه ، يترامى به الإقبال إلى حيث لا يبلغه أمل ، ولا يقطعه أجل . وبعد : فلمولانا الأمير الأجلّ شمس المعالي - أدام اللّه علوّه ، وكبت عدوّه - عبيد ينتمون إلى شرف خدمته ، وإن أقعدتهم العوائق عن كعبة الملك من حضرته - حرسها اللّه وانسها - ، ومنهم هذا العبد الذي شعاره الاعتزاء إلى خدمته ، والاعتزاز بالعبودية لسدّته . ودأبه خدمة الأدب ، ومنادمة الكتب ؛ ليتدرّج منها إلى خدمة المجلس العالي - أدام اللّه جلاله وجماله - بما يجرى في زمرة العبيد والخدم اسمه ، ويجدّد في صحيفة المتقربين إليه ذكره . وقد كان لمّا ورد الحضرة « 1 » العالية - أدام اللّه علوّها - ووصل منها إلى رواق العزّ ، واكتحل بشخص المجد . خدمها بكتاب من بنات فكره ، مترجم « 2 » بالمبهج ، فاشتمل عليه جناح القبول ، وتفتّق معه نور المأمول . وحين صدر عنها - وقد درّت عليه سحائب الإنعام ، وأجنت « 3 » له ثمرات الإكرام ، واستصحب الأمان من الزمان - تعاور المستعيرون انتساخ الكتاب ، حتى سار في البلاد ، بل طار في الآفاق ، وعليه من الاسم العالي - ثبّته اللّه - طراز ، به تنفق سوقه ، وتهبّ ريحه . وما زال العبد يريد أن يشفع ذلك الكتاب بما يحفظ معه عادة الخدمة ، ويقضى به بعض حقّ وليّ النّعمة . عند مشافهة السّعادة بمعاودة الحضرة - حرسها اللّه وانسها - فتعرض موانع ، وتعترض قواطع ، إلى أن استظهر بشعار الدولة - أنماها اللّه تعالى على عمل ما يتشرف بالاسم العالي - ثبّته اللّه ، من كتاب في التمثيل والمحاضرة : إسلامي جاهلي ، وعربي عجمي ، وملوكي سوقي ، وخاصّي عامي ، يشتمل على أمثال الجميع ، يضم نشر ما يجري مجراها من ألفاظهم ، ويتضمّن ما يأخذ مأخذها من فرائد النّثر ، وقلائد النّظم ، وفوائد الجدّ ، ونوادر الهزل . فيوجد فيه ما يتمثّل به من القرآن والتّوراة والإنجيل والزّبور ، وجوامع كلم النبي ، وكلام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبّله ، والصحابة والتابعين رضي اللّه عنهم بعده ، وعيون أمثال العرب والعجم ، وما يناسبها وما يشاكلها من نتف الخلفاء ، وفقر الملوك والوزراء ، ونكت الزّهاد والحكماء ، ولمع المحدّثين والفقهاء ، وحكم الفلاسفة والأطبّاء ، وغرر البلغاء والشعراء ، وملح المجّان والظرفاء ، وطرف السّؤال والغوغاء ، وما تختصّ به كل طبقة من هؤلاء ، وما تنفرد به كل فرقة من الدّهاقين « 4 » والتجار ، وسائر أهل الصناعات المتباينة الأقدار ، ولا يعدم فيه ما يتمثّل به من الشمس والقمر والنجوم ، والآثار العلويّة ، والدّهر والدنيا ،

--> ( 1 ) في نسخة : حضرته . ( 2 ) في نسخة : فلقب . ( 3 ) في نسخة : واجتنت . ( 4 ) الدهقان ( بكسر الدال ) : التاجر .